بقلم: يين ج. دانهيير
مقدمة
في العصر الرقمي المتسارع، حيث يمكن لنقرة واحدة أن تُحدث أثراً واسعاً عبر منصات التواصل الاجتماعي النشطة في جنوب السودان، تأتي القدرة على المشاركة مصحوبة بمسؤولية كبيرة. تخيّل ألم أن ترى لحظاتك الخاصة، أو لحظات أشخاص تحبهم، متداولة على منصات التواصل، ومتاحة لكل من يملك جهازاً رقمياً؛ بل إن من لا يملكون أجهزة قد يسمعون بها أيضاً. أصبح ذلك واقعاً جديداً على منصات التواصل في جنوب السودان، حيث يُنتهك حق بعض الأشخاص في الموافقة، وتُستغل لحظاتهم الخاصة لإذلالهم أو تدمير حياتهم.
في المجتمع الجنوب سوداني، لا يمثل ذلك خيانة شخصية فحسب، بل قد تترتب عليه عواقب قانونية خطيرة، من دعاوى جنائية أو مدنية، بينما يبدو أن كثيرين لا يعرفونها. لكن الجهل بالقانون لا يعفي من المسؤولية. والعواقب كبيرة، من تضرر السمعة والتعويضات إلى السجن. لذلك فكّر ملياً قبل الضغط على زر الإرسال أو المشاركة عند التعامل مع محتوى حميمي. يسلط هذا المقال الضوء على الإطار القانوني القائم لحماية الكرامة، والعقوبات المحتملة على نشر أو تداول الصور ومقاطع الفيديو التي تمس كرامة الآخرين، كما يتناول سوابق قضائية من دول ذات خبرة قانونية راسخة مثل كينيا.
الكلفة الإنسانية: أحلام محطمة وعزلة اجتماعية
تخيّل شابة في جوبا تبدد مستقبلها أمام عينيها بعد أن انتشرت صورها أو مقاطعها الخاصة، التي شاركتها في إطار الثقة، عبر الفضاء الرقمي في جنوب السودان، وسُلبت منها كرامتها. تصبح حديث الحي، وتختفي فرص العمل أو الزواج، ويتحول اعتزاز الأسرة إلى شعور بالخزي. أو تخيّل رجلاً، سنرمز إليه بـ«Y»، سرّب صديق سابق صوره ومقاطع الفيديو الخاصة به، فتحولت إلى مادة للسخرية في مجتمعه واضطر إلى العزلة. ليست هذه مجرد قصص متخيلة، بل جراح حقيقية يشعر بها الناس في أنحاء جنوب السودان.
إن تداول المحتوى الحميمي دون موافقة يضر بالسمعة، ويضعف العلاقات أو ينهيها، ويترك آثاراً قد ترافق الضحايا مدى الحياة. فالألم عميق، والندوب النفسية والاجتماعية قد تبقى طويلاً بعد حذف المنشور.
الحماية القانونية في جنوب السودان: القوانين التي تحميك
يتكون الإطار القانوني في جنوب السودان من مزيج من القانون التشريعي والقانون العرفي، إلى جانب بعض العناصر التاريخية التي تأثرت بنظام الحكم السوداني قبل استقلال البلاد عام ٢٠١١. ولا يوجد في البلاد إطار قانوني صريح يعالج تحدي نشر الصور أو مقاطع الفيديو الحميمية دون موافقة عبر وسائل التواصل، على غرار بعض دول الجوار مثل كينيا. فلدى كينيا دستور شامل لعام ٢٠١٠ تدعمه تشريعات رقمية محددة، منها قانون إساءة استخدام الحاسوب والجرائم الإلكترونية لعام ٢٠١٨ وقانون حماية البيانات لعام ٢٠١٩. ومع ذلك، يمكن تطبيق قانون العقوبات لعام ٢٠٠٨ والأمر المؤقت للجرائم الإلكترونية وإساءة استخدام الحاسوب لعام ٢٠٢١ لمعالجة هذا التحدي.
القوانين الجنائية
أ) قانون العقوبات لعام ٢٠٠٨
المادة ٢٨٩ (التشهير): تجرّم هذه المادة النشر المتعمد لمواد تضر بسمعة شخص. وقد تنطبق إذا سُرّبت صور أو مقاطع فيديو حميمية بقصد التشهير أو الإذلال. العقوبة: السجن لمدة تصل إلى سنتين، أو الغرامة، أو كلتاهما.
المادة ٢٥٠ (قول أو إشارة أو فعل يقصد به إهانة حياء المرأة): قد يُفسر تداول محتوى حميمي على أنه فعل يهين حياء المرأة وينتهك خصوصيتها. العقوبة: السجن لمدة تصل إلى سنتين، أو الغرامة، أو كلتاهما.
المادة ٢٦٠ (بيع الكتب الغامضة وما شابه): تحظر هذه المادة بيع أو توزيع أو استيراد أو طباعة مواد تعرض محتوى فاضحاً على الجمهور. العقوبة: السجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات، أو الغرامة، أو كلتاهما.
ب) الأمر المؤقت للجرائم الإلكترونية وإساءة استخدام الحاسوب لعام ٢٠٢١
المادة ١٨ (نشر محتوى غير لائق وانتهاك الخصوصية): تحظر هذه المادة نشر أي مواد تنتهك الخصوصية أو تتدخل في الحياة الخاصة أو الأسرية لشخص ما. العقوبة: السجن لمدة تصل إلى ثلاث سنوات، أو الغرامة، أو كلتاهما.
القوانين المدنية: دعوى التعدي على الخصوصية
قد يعترف النظام القانوني في جنوب السودان، المتأثر بتقاليد القانون العام عبر السودان، بدعوى مدنية عن التعدي على الخصوصية. ويمكن أن يكون تسريب الصور الحميمية أساساً للمطالبة القضائية باعتباره تدخلاً في الشؤون الخاصة أو كشفاً علنياً لوقائع خاصة، غير أن ذلك يعتمد على تفسير القضاء، إذ لم تُقنّن دعاوى الخصوصية صراحةً. وبموجب قانون الإجراءات المدنية لعام ٢٠٠٧، يمكن للضحايا المطالبة بتعويضات عن أضرار مثل الضيق النفسي والإضرار بالسمعة، استناداً إلى المبادئ العامة للقانون المدني.
السوابق والأحكام القضائية
لا تتوفر سوابق قضائية موثقة كافية في جنوب السودان تتناول صراحةً دعاوى تسريب الصور أو مقاطع الفيديو الحميمية على وسائل التواصل. ولا يزال النظام القانوني في طور التطور، ونادراً ما تُعلن القضايا المتعلقة بانتهاك الخصوصية الرقمية. كما أن بعض الناس في جنوب السودان قد يرون هذه المسائل مخجلة ولا يرغبون في اللجوء إلى المحاكم، مما يصعّب تكوين سوابق قضائية.
سوابق مختارة من كينيا
MWK وآخرون ضد النائب العام وأربعة آخرين [٢٠١٧] KEHC ١٤٩٦ (KLR)
تفاصيل القضية: اعتقلت الشرطة الكينية MWK، وهي قاصر، للاشتباه في تعاطيها المخدرات. وجرّدها ضباط من ملابسها بحضور ضباط رجال و/أو طلاب وأفراد من الجمهور، والتقطوا صوراً لها أو سمحوا لأطراف ثالثة بالتقاط صور عارية لها. وعلى إثر ذلك، رفعت MWK وولي أمرها دعوى ضد النائب العام وضباط الشرطة، مطالبين بالاعتراف بانتهاك حقوقها في الكرامة (المادة ٢٨) والخصوصية (المادة ٣١) والحماية من المعاملة المهينة بموجب الدستور.
حكم المحكمة ونتيجته: أصدرت المحكمة إقراراً بحق المدعية الأولى في الحصول على تعويض عن انتهاك حقوقها الدستورية في الكرامة والخصوصية والحماية من المعاملة المهينة. وحكمت للمدعية الأولى بالتضامن والتكافل على المدعى عليهم بمبلغ إجمالي قدره ٤,٠٠٠,٠٠٠ شلن كيني (نحو ٣٨,٨٠٠ دولار) تعويضاً عاماً.
الأهمية: أرست القضية سابقة قوية لمساءلة المسؤولين العموميين عن تداول الصور دون موافقة، واعتبرت ذلك انتهاكاً دستورياً.
روشانارا إبراهيم ضد أشليز كينيا المحدودة وثلاثة آخرين [٢٠١٦] eKLR
تفاصيل القضية: رفعت روشانارا إبراهيم، التي جُرّدَت من لقب ملكة جمال عالم كينيا لعام ٢٠١٥، دعوى ضد صديقها السابق فرانك زاهيتن ومنظمي المسابقة، بعدما شارك فرانك صورها العارية مع المنظمين، مما أدى إلى استبعادها. وقضت المحكمة العليا بأن حقها في الخصوصية بموجب المادة ٣١ من دستور عام ٢٠١٠ قد انتُهك.
حكم المحكمة ونتيجته: رأت المحكمة أن للمدعية توقعاً مشروعاً في الحفاظ على خصوصيتها، وأن التقاطها صوراً عارية لا يعني تنازلها عن الخصوصية، كما أنها لم توافق على تداول الصور مع أطراف ثالثة. وأُلزم المدعى عليه الثالث (فرانك/الصديق السابق) بدفع تعويض قدره مليون شلن كيني (نحو ٩,٧٠٠ دولار) لانتهاكه حق المدعية في الخصوصية.
الأهمية: تُعد القضية حكماً مدنياً بارزاً يؤكد حماية الخصوصية الدستورية فيما يتعلق بالصور الحميمية.
الثغرات في معالجة تداول الصور ومقاطع الفيديو الحميمية دون موافقة
غياب تشريع محدد: لا يعالج قانون العقوبات في جنوب السودان لعام ٢٠٠٨ (المواد ٢٥٠ و٢٦٠ و٢٨٩) إلا جرائم ذات صلة، مثل التشهير وإهانة الحياء والمواد الفاضحة. ولا يجرّم صراحةً هذا النوع من الانتهاك ولا يحدد خصوصية الفضاء الرقمي، مما يترك ثغرات في ملاحقة ما يُعرف بـ«الانتقام الإباحي» أو انتهاكات الخصوصية عبر الإنترنت. كما أن كثيراً من سكان جنوب السودان قد لا يستطيعون تحمّل التعويضات التي قد تقضي بها المحاكم إذا رُفعت دعاوى مدنية.
ضعف البنية التكنولوجية: إن محدودية انتشار الإنترنت والاعتماد الكبير على بيانات الهاتف المحمول في جنوب السودان يجعلان تعقّب المحتوى الضار أو إزالته أمراً صعباً.
الأعراف الثقافية والنوع الاجتماعي: قد تثني الأعراف الأبوية والوصمة المرتبطة بالحوادث ذات الطابع الجنسي الضحايا، ولا سيما النساء، عن الإبلاغ. وقد يواجهن اللوم، إذ تُقدَّم توقعات مثل «شرف الأسرة» على الحقوق الفردية.
توصيات لمعالجة هذه الثغرات
- سنّ تشريع محدد للجرائم الإلكترونية يجرّم صراحةً تداول الصور أو مقاطع الفيديو الحميمية دون موافقة. ويمكن الاستفادة من قانون إساءة استخدام الحاسوب والجرائم الإلكترونية الكيني لعام ٢٠١٨ كنموذج، مع تضمين عقوبات رادعة تتناسب مع استمرار هذه الممارسة.
- الدعوة إلى إدارة محتوى محلية في جنوب السودان من خلال شراكات منظمة بين الحكومة ومنصات التواصل الاجتماعي.
- إشراك قادة المجتمع وكبار السن والمحاكم العرفية في تجريم تداول المحتوى دون موافقة، وبيان تعارضه مع قيم الكرامة في جنوب السودان.
- تدريب المجموعات النسائية على مناصرة الضحايا ومواجهة الوصمة، كما تفعل في كينيا منظمة «فيدَا» (اتحاد المحاميات).
الخاتمة: خيارك يصوغ مستقبلنا
كل لمسة على هاتفك قرار قد تتجاوز آثاره حدود الشاشة. إن نشر الصور ومقاطع الفيديو الحميمية دون موافقة ليس مجرد جريمة بموجب نظامنا القانوني، بل هو أيضاً خيانة عميقة لقيمنا المشتركة. والعقوبات، مثل السجن (وقد يصل مجموعها إلى عشر سنوات إذا ثبتت الإدانة في أربع تهم)، أو الغرامات، أو التعويضات المدنية، ليست سوى تحذير؛ فالكلفة الحقيقية هي الثقة التي نفقدها بعضنا في بعض. لذلك علينا حماية خصوصيتنا، وتأمين أجهزتنا، والإبلاغ عن الانتهاكات التي تسلبنا كرامتنا. فلنحترم بعضنا بعضاً ونلتزم بالقوانين الوطنية، ولنبنِ مجتمعاً رقمياً تزدهر فيه الكرامة.
عن الكاتب
دانهيير متخصص في السياسات العامة والإدارة، وخريج جامعة كينياتا. مثّل جنوب السودان في برامج تدريب وزمالات مهنية دولية تنافسية، من بينها بصفته مشاركاً في البرنامج الأساسي ضمن برنامج تنمية الموارد البشرية العالمية من أجل بناء السلام والتنمية، برعاية وزارة الخارجية اليابانية، في جامعة هيروشيما (السنة المالية ٢٠٢٥). كما عمل زميلاً في السياسات العامة والبحث لدى تحالف «أفريقيا الغد» عام ٢٠٢٥ في أكرا، غانا. وهو كاتب أكاديمي وباحث مهتم بالتعليم من أجل التماسك الاجتماعي، والتصميم الدستوري والإصلاح المؤسسي، والابتكار في القطاع العام والحكومة الإلكترونية.